أبي الفرج الأصفهاني

196

الأغاني

أبرهة يقتل أرياط ويتولى ملك اليمن فلما رأى أبرهة أنّ أرياط قد أفلت عنه ، وهو ينظر يمينا وشمالا ؛ لئلَّا تراه ملوك الحبشة ، استلّ خنجره فطعنه طعنة في فرج درعه فأثبته [ 1 ] ، وخرّ أرياط على قفاه ، وقعد أبرهة على صدره فأجهز عليه . فسمى أبرهة الأشرم بتلك الضّربة التي شرمت وجهه وأنفه . فملك أبرهة عشرين سنة ، ثم ملك بعد أبرهة ابنه يكسوم ، ثم أخوه مسروق بن أبرهة ، وأمه ريحانة امرأة ذي يزن أمّ سيف بن ذي يزن الحميريّ . سيف بن ذي يزن يسعى لتخليص اليمن من حكم الحبشة [ فلما طال على أهل اليمن البلاء مشوا إلى سيف بن ذي يزن الحميريّ ] [ 2 ] فكلَّموه في الخروج ، وقالوا إنّا نجد فيما روت حمير [ 3 ] عن خبر لسطيح أنه يوشك أنّ هذا البلاء يفرج بيد رجل من أهل بيتك ابن ذي يزن ، وقد رجونا أن ندرك بثأرنا ، فأنعم لهم . فخرج إلى قيصر ملك الروم ، فكلَّمه أن ينصره على الحبشة ، فأبى ، وقال : الحبشة على ديني ودين أهل مملكتي ، وأنتم على دين يهود ، فخرج من عنده يائسا . النعمان يصحب سيفا إلى كسرى فخرج عامدا إلى كسرى ، فانتهى إلى النعمان بن المنذر بالحيرة فدخل عليه ، فأخبره بما لقي قومه من الحبشة ، فقال : أقم ؛ فإنّ لي على الملك كسرى إذنا في كلّ سنة ، وقد حان ذلك . فلما خرج أخرج معه سيف بن ذي يزن فأدخله على كسرى ، فقال : غلبنا على بلادنا ، وغلب الأحابيش علينا ، وأنا أقرب إليك منهم ، لأني أبيض وأنت أبيض ، وهم سودان . فقال : بلادك بلاد بعيدة ، ولا أبعث معك جيشا في غير منفعة ، ولا أمر أخافه على ملكي . فلما أيأسه من النّصر أمر له بعشرة آلاف درهم واف ، وكساه كسا . فلما خرج بها من باب / كسرى نثرها بين الصّبيان والعبيد ، فرأى ذلك أصحاب كسرى ، فقالوا ذلك له ؛ فأرسل إليه : لم صنعت بجائزة الملك ؟ تنثرها للصّبيان والناس ؟ فقال سيف : وما أعطاني الملك ! جبال أرضى ذهب وفضّة ، جئت إلى الملك ليمنعني من الظَّلم ، ولم آته ليعطيني الدراهم ، ولو أردت الدراهم كان ذلك في بلدي كثيرا . فقال كسرى : أنظر في أمرك . فخرج سيف على طمع ، وأقام عنده / فجعل سيف كلما ركب كسرى عرض له ، فجمع له كسرى مرازبنه ، وقال : ما ترون في هذا العربيّ ، وقد رأيته رجلا جلدا ؟ فقال قائل منهم : إن في السجون قوما قد سجنهم الملك في موجدة عليهم ، فلو بعثهم الملك معه فإن قتلوا استراح منهم ، وإن ظفروا بما يريد هذا العربيّ فهو زيادة في ملك الملك . فقال كسرى : هذا الرأي .

--> [ 1 ] أثبته : جعله لا يقدر على الحراك . ورواية « الطبري » أن الذي طعنه غلام أكمنه أبرهة . [ 2 ] تكملة من المختار . [ 3 ] كذا في أ ، ما وفي ب ، س ، ج ، م : « في هاروت » ، تصحيف .